حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

269

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الوجوب الذاتي ، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب . ودليل التمانع أيضا يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه ، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى ، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر . ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلا : فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقد مر مثله في أوّل « البقرة » . ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال : وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقالت الأشاعرة : ليس المراد من كونها للّه أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة ، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد ، ثم قال وَلَهُ الدِّينُ واصِباً فالدين الطاعة ، والواصب الدائم ، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها . ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازما له . وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق سبحانه ، فإن طاعته واجبة أبدا . ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفا ، أو وله الجزاء سرمدا لا يزول يعني الثواب والعقاب . وقال بعض المتكلمين المحققين : قوله وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح . ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ثم منّ عليهم بقوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « ما » بمعنى « الذي » وبكم صلته و مِنْ نِعْمَةٍ حال من الضمير في الجار ، أو بيان لما وقوله : فَمِنَ اللَّهِ الخبر . وقيل : « ما » شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن . وقال جار اللّه : معناه أي شيء حال بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من اللّه ، قال الأشاعرة : أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم اللّه . والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به ، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها ، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من اللّه ، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه . ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم اللّه قائلا ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ما تتضرعون إلا إليه . والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة . ثُمَّ إِذا كَشَفَ